الغزالي
201
إحياء علوم الدين
وإذا دخلت مجلسا فالأدب فيه البداية بالتسليم ، وترك التخطي لمن سبق ، والجلوس حيث اتسع ، وحيث يكون أقرب إلى التواضع . وأن تحييّ بالسلام من قرب منك عند الجلوس . ولا تجلس على الطريق ، فإن جلست فأدبه غض البصر ، ونصرة المظلوم ، وإغاثة الملهوف ، وعون الضعيف ، وإرشاد الضال ، ورد السلام ، وإعطاء السائل ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والارتياد لموضع البصاق . ولا تبصق في جهة القبلة ، ولا عن يمينك ولكن عن يسارك ، وتحت قدمك اليسرى ولا تجالس الملوك ، فإن فعلت فأدبه ترك الغيبة ، ومجانبة الكذب ، وصيانة السر ، وقلة الحوائج ، وتهذيب الألفاظ ، والاعراب في الخطاب ، والمذاكرة بأخلاق الملوك ، وقلة المداعبة ، وكثرة الحذر منهم وإن ظهرت لك المودة . وأن لا تتجشأ بحضرتهم ولا تتخلل بعد الأكل عنده . وعلى الملك أن يحتمل كل شيء إلا إفشاء السر ، والقدح في الملك والتعرض للحرم ولا تجالس العامة فإن فعلت فأدبه ترك الخوض في حديثهم ، وقلة الإصغاء إلى أراجيفهم والتغافل عما يجرى من سوء ألفاظهم ، وقلة اللقاء لهم مع الحاجة إليهم وإياك أن تمازح لبيبا أو غير لبيب ، فإن اللبيب يحقد عليك ، والسفيه يجترئ عليك لأن المزاح يخرق الهيبة ، ويسقط ماء الوجه ، ويعقب الحقد ، ويذهب بحلاوة الود ويشين فقه الفقيه ، ويجرئ السفيه ، ويسقط المنزلة عند الحكيم ، ويمقته المتقون . وهو يميت القلب ، ويباعد عن الرب تعالى ، ويكسب الغفلة ، ويورث الذلة . وبه تظلم السرائر وتموت الخواطر . وبه تكثر العيوب ، وتبين الذنوب . وقد قيل : لا يكون المزاح إلا من سخف أو بطر . ومن بلي في مجلس بمزاح أو لغط ، فليذكر الله عند قيامه . قال النبي صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك سبحانك اللَّهمّ وبحمدك أشهد أن لا إله إلَّا أنت أستغفرك وأتوب إليك إلَّا غفر له ما كان في مجلسه ذلك »